سوريا أمام تحدٍ مائي متصاعد.. تحذيرات من استنزاف المخزون الجوفي وتهديد الأمن الغذائي

تتزايد التحذيرات من دخول سوريا مرحلة حرجة في ملف الأمن المائي، في ظل استمرار استنزاف المياه الجوفية عبر مئات الآلاف من الآبار غير القانونية، وتراجع معدلات الهطول المطري، وتفاقم آثار التغير المناخي بعد سنوات طويلة من الحرب.
ويرى خبراء أن أزمة المياه لم تعد مجرد تحدٍ بيئي، بل تحولت إلى قضية ترتبط بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
سوريا ضمن أكثر الدول تعرضاً للإجهاد المائي
تشير تقديرات منظمات دولية إلى أن سوريا تعد من بين الدول الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي في منطقة الشرق الأوسط، التي تُصنف أساساً ضمن أكثر مناطق العالم جفافاً.
كما شهد نصيب الفرد من المياه العذبة تراجعاً ملحوظاً خلال العقدين الماضيين نتيجة النمو السكاني، وسوء إدارة الموارد المائية، والتغيرات المناخية، إضافة إلى انخفاض تدفقات الأنهار العابرة للحدود.
الآبار غير القانونية تستنزف المياه الجوفية
وحذر الخبير السوري في الموارد المائية والسدود عبد الرزاق العليوي من أن التوسع الكبير في حفر الآبار غير القانونية أدى إلى استنزاف المخزون الجوفي الذي يشكل الاحتياطي الاستراتيجي الأهم لسوريا في مواجهة مواسم الجفاف.
وأوضح أن الظاهرة تفاقمت بشكل كبير بعد عام 2011 مع تراجع الرقابة الحكومية وضعف مؤسسات إدارة المياه، مشيراً إلى أن أعداد الآبار الفعلية قد تتجاوز التقديرات الرسمية المتداولة.
وأكد أن هذه الآبار أسهمت في جفاف العديد من الينابيع، وانخفاض منسوب الأنهار، واختفاء عدد من المسطحات المائية الطبيعية في مختلف المناطق السورية.
عشرة مليارات متر مكعب تُستنزف سنوياً
بحسب العليوي، فإن الآبار المنتشرة في البلاد تستنزف ما يقارب عشرة مليارات متر مكعب من المياه سنوياً، وهي كميات كان من المفترض أن تسهم في إعادة تغذية الأحواض الجوفية الرئيسية في سوريا.
وأشار إلى أن الفيضانات الأخيرة التي شهدها نهر الفرات لا تعكس تحسناً حقيقياً في الواقع المائي، لأن المشكلة الأساسية تكمن في الفجوة المتزايدة بين معدلات التغذية الطبيعية للمياه الجوفية وكميات السحب السنوية منها.
الشرق السوري والبادية الأكثر تضرراً
تعد المناطق الشرقية والبادية السورية وجنوب البلاد من أكثر المناطق تأثراً باستنزاف المياه الجوفية، نظراً لاعتماد السكان والقطاع الزراعي بشكل كبير على هذه الموارد.
وحذر العليوي من أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى تفاقم التصحر وتراجع الإنتاج الزراعي، ما قد يدفع مزيداً من السكان إلى مغادرة المناطق الريفية باتجاه المدن.
في المقابل، تبقى المناطق الساحلية الأقل تأثراً نسبياً بفضل معدلات الأمطار الأعلى مقارنة ببقية المحافظات السورية.
جفاف بحيرة مزيريب مؤشر مقلق
يبرز جفاف بحيرة مزيريب في محافظة درعا كأحد أبرز المؤشرات على تفاقم الأزمة المائية في سوريا.
وأوضح العليوي أن البحيرة ترتبط بخزان اليرموك الجوفي المشترك بين سوريا والأردن، وأن الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية أسهم في تراجع الموارد المائية المشتركة بين البلدين خلال السنوات الماضية.
أزمة تعود جذورها إلى ما قبل الحرب
ورغم أن سنوات النزاع ساهمت في تعميق الأزمة، إلا أن جذورها تعود إلى عقود سابقة، إذ بدأت ظاهرة الآبار العشوائية بالتوسع منذ ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تتسارع خلال العقد الأول من الألفية الجديدة وتتحول إلى أزمة واسعة النطاق بعد عام 2011.
كما يربط خبراء بين الجفاف الذي ضرب شمال شرق سوريا بين عامي 2006 و2010 وبين تراجع الإنتاج الزراعي ونزوح أعداد كبيرة من السكان من الأرياف إلى المدن.
دعوات لخطة وطنية عاجلة
ودعا العليوي إلى إطلاق خطة وطنية شاملة لضبط استخراج المياه الجوفية، وإعادة تنظيم استخدامها وفق أسس علمية، إلى جانب إعادة تأسيس مؤسسة متخصصة بإدارة الموارد المائية ومنح هذا الملف أولوية أكبر في السياسات الحكومية.
كما شدد على أهمية إعادة النظر في السياسات الزراعية وتشجيع زراعة المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه، مع الحفاظ على دعم المحاصيل الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي.
تهديد يتجاوز البعد البيئي
ويؤكد خبراء أن أزمة المياه في سوريا لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت تحدياً يمس الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي وإعادة الإعمار.
ويحذر المختصون من أن استمرار استنزاف المياه الجوفية بالمعدلات الحالية قد يحول أزمة المياه إلى تهديد طويل الأمد يؤثر على مستقبل التنمية والاستقرار في البلاد، ما يجعل إدارة الموارد المائية أحد أبرز الملفات التي ستواجهها سوريا خلال السنوات المقبلة.
مصدر التقرير: الحل نت




